الشيخ محمد رشيد رضا
40
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهو ما ترتب على الجحود من العذاب بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ثم بالغرق كما سيجيء في محله . والأول أظهر وأبلغ على أنه لا تنافي بينهما في المعنى فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ اي فانظر أيها الرسول - أو أيها السامع والتالي بعين العقل والفكر كيف كان عاقبة فرعون وملئه المفسدين في الأرض بالظلم واستعباد البشر حين جحدوا آيات اللّه وظلموا بها عملا بمقتضى فسادهم . وهذا تشويق لتوجيه النظر لما سيقصه تعالى من عاقبة امرهم إذ نصر عبده ورسوله موسى عليهم وهو فرد من شعب مستضعف مستعبد لهم ، وهم أعظم أهل الأرض دولة وصولة وقوة ، نصره عليهم أولا بابطال سحرهم وإقناع علمائهم وسحرتهم بصحة رسالته وكون آياته من اللّه تعالى ، ثم نصره بارسال أنواع العذاب على البلاد ثم بانقاذ قومه وإغراق فرعون ومن اتبعه من ملئه وجنوده . وهذه عبرة ظاهرة وحجة قائمة مدة الدهر ، على القائلين انما الغلب للقوة المادية على الحق ، ولا سيما المغرورين بعظمة دول اوربة الظالمة لمن استضعفتهم من أهل الشرق ، وعلى أولئك الباغين بالأولى ، فأولى لهم أولى ، ثم أولى لهم أولى * * * * * * بعد هذا التشويق والتنبيه قص تعالى علينا ما كان من مبدأ أمر أولئك المفسدين الذي انتهى إلى تلك العاقبة فقال : وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ نبدأ بما في هذه الآية من المباحث اللفظية والقراءات ونكت البلاغة لتفهم عبارتها كما يجب ويكون سياق القصة بعد ذلك متصلا بعضه ببعض ، وفيها بحثان دقيقان أحدهما بدء القصة بالعطف وكونه بالواو ، والثاني قول موسى ( ع . م ) ( حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) لم أر من تكلم على وجه بدء الآية بالعطف وبيان المعطوف عليه والتفرقة بينها وبين مثلها من سياق القصة في سورة طه إذ قال بعد أمر موسى بالذهاب مع أخيه هارون إلى فرعون وتبليغه الدعوة مبينا كيف كان أمتثالها للامر ( إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) فجاء به مفصولا على وجه الاستئناف البياني غير موصول بالواو ولا بالفاء ، ومثله في الفصل قوله تعالى في القصص التي قبل قصة موسى من هذه السورة ( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) وكذا ما بعده من قصة صالح ولوط وشعيب ، ولم يقبل